السيد كمال الحيدري

259

فلسفة صدر المتالهين (قراءة في مرتكزات الحكمة المتعالية)

الدُّنيا ما بين مستغرق بالصورة الدنيويّة الداثرة واللذّات العاجلة والغايات الوهميّة الفانية ، وما بين مَن غلبَ على تفكيره ما في الجنّة من لذّات آجلة باقية كنكاح الحور وسكنى القصور ، وما بين مستغرق يرجو النظر إلى كرامة الله وشهود جماله وجلاله ، فإذا كان الناس متفاوتين هذا التفاوت في الدُّنيا وهو واضح فلا يعقل أن ينالوا نفس الدرجة من الجزاء الأخروي ، فالصنف الأوّل من الناس يكون مصيره الحسرة والندامة ، والنكال والوبال ؛ وذلك لأمرين : « أحدهما من جهة انفصاله ممّا يؤنسه من اللذّات العاجلة والنِّعم الداثرة ، وثانيهما من جهة حرمانه من اللذّات الآجلة والنِّعم الباقية ممّا يخصّ بالمقرّبين وأصحاب اليمين » « 1 » . وأمّا الصنف الثاني من الناس فمآله إلى النعيم وإلى ما تنتهي إليه همّته ، بينما الذين تعلّقوا باللذّات العقليّة فمآلهم إلى الانخراط في سلك العقول المجرّدة والقيام عند ربّ العالمين في مقعد صدق عند مليك مقتدر . سادساً : شبهة الخلود في النار تبقى لدينا مسألة أخيرة مرتبطة بعلم المعاد والتي وقع الخلاف فيها بين الحكماء والعرفاء ، وهي مسألة خلود الكفّار في نار جهنّم ، وقد وردت هذه المسألة في كلمات محيي الدِّين ابن عربي صاحب فصول الحكم وصاحب كتاب الفتوحات المكّية بأنّ الكافر بحسب علمنا سيدخل النار وهذا أصلٌ مسلّم ، والدليل قائم على أنّ الكافر يخلّد في النار وهذا أيضاً أصلٌ مسلّم ، لكنّنا لا نقبل بأنّه عندما يخلّد في النار سيكون خلوده في العذاب والألم ، بل إنّ ما نقوله ونعبِّر عنه ب « عذاب » من العَذْب ، أي أنّ الكافر يستعذب بالنار

--> ( 1 ) درر الفوائد : ج 2 ، ص 435 .